السيد محمد الصدر

245

منة المنان في الدفاع عن القرآن

والمراد ليس هو الطعام الحقيقي ، بل مطلق سبل العيش والرزق ، كلّ ما في الأمر : أنَّ إطعامهم إيجابي ، وأمنهم سلبي ، يعني : دفع عنهم أسباب الخوف والبلاء . ومن هنا كان استناده إلى الله أوضح ؛ لأنَّه ليس باختيار أحد ، وإنّما هو المدبِّر . وفي الإمكان حمل هذه النعم على النعم المعنويّة ؛ لأنَّ كيان الإنسان على مستويات متعدّدة : الجسم والنفس والعقل والروح ، وقد جعل الله سبحانه لكلٍّ منها لذةً وألماً وخوفاً وأمناً . كما يمكن أن نحمل ذلك على المستوى الأُخروي ، فأطعمهم من جوع يعني : أثابهم في وقت حاجتهم إلى الثواب ، وآمنهم من خوف ، أي : من عقاب جهنم . فإن قلت : هل مثل هذا الكلام ممّا تستحقّه قريش عَبدة الأصنام ؟ قلت : أوّلًا : إنّنا حملنا كلا الأمرين ( الطعام والأمن ) على المعنى المعنوي ، فيمكن أن نفهم من قريش المعنى المعنوي أيضاً ، وذلك أن يكون المراد كلّ فئةٍ متدنّيةٍ بالنسبة إلى الكمال الذي لم يصلوه ، وأنَّ الوصول إليه منوطٌ بالتوفيق الإلهي الذي أطعمهم وآمنهم وسيرهم في طريق التكامل الذي مشوا فيه . ثانياً : إنَّه تعالى أعطى قريشاً نفسها وأطعمهم وآمنهم ببزوغ نور الإسلام الذي أخرجهم من الظلمات إلى النور . غير أنَّ إنزال الإسلام وتبليغه إنّما هو سبب اقتضائي للهداية ، وليس عِلِّيّاً ، وإنّما تنفع حقيقته حينما تتمُّ أجزاء العلّة بالدخول إلى الإسلام وإطاعة أحكامه . وعلى هذا يمكن القول بإمكان عموم الإطلاق ( للإطعام والأمان والنعم الإلهيّة ) إلى كلّ من المعاني المادّيّة والمعنويّة والدنيويّة والأُخرويّة ، وعدم الانحصار ببعضها دون بعض .